لا تقابل أبطالك أبداً
عندما نُعجب بشخص مشهور لا نعرفه على المستوى الشخصي، نبدأ في إضافة صفات وأمور من خيالنا لصورته، لا علاقة لها بواقعه. ثم يصدف أن نقابله يوماً، فلا نجد شيئاً من تلك الهالة التي رسمناها حوله، فتتلبسنا خيبة ظن ساذجة، نحن من يتحمل مسؤوليتها.
أقرأ هذه الأيام ستالين: سيرة سياسية، وهو كتاب ممتع وضخم من 700 صفحة. استوقفني فيه توثيق ستالين انطباعه الشخصي عن معلمه الكبير لينين، بعدما قابله أول مرة. يقول ستالين:
كنت آمل أن أرى نسر حزبنا، الرجل العظيم، عظيماً جسدياً مثلما هو عظيم سياسياً. كنت أتخيل لينين عملاقاً منتصباً فارضاً هيبته. وكم كانت خيبة أملي عظيمة عندما رأيت رجلاً عادي المنظر إلى درجة كبيرة، أقصر من الطول المتوسط، ولا يتميز بشيء، ولا بشيء إطلاقاً، عن غيره من الفانين…
في العادة، يأتي الرجال العظام متأخرين إلى الاجتماعات لكي ينتظر الناس مجيئهم بفارغ الصبر. وبينا هم داخلون، يتعالى التنبيه: (هس… سكوت… ها هو آت). ليس هذا الطقس سخيفاً؛ لأنه يترك أثراً ما ويفرض الاحترام. وكم كانت خيبة أملي عظيمة عندما تبين لي أن لينين قد وصل إلى القاعة قبل غيره من المندوبين، وأنه استقر في إحدى الزوايا يجري حديثاً عادياً مع مندوبين عاديين. لن أخفي عليكم إن هذا قد بدا لي في حينه على أنه خرق لبعض القواعد الأساسية.
هذا الوصف يعطينا لمحة عن كيف ينظر الأول لصورة القائد السياسي كما يجب أن تكون؛ ذا طول وجسم مهيب يفرض هيبته بمجرد النظر إليه، لا يحتك بالعامة ولا يتنزل في الحديث معهم، يعرف متى وكيف يحضر إلى اللقاءات العامة، إلخ.
أما لينين، فيبدو أنه يمثل صورة المفكر والأكاديمي، لا يكترث بمظهره ولا بالبروتوكولات، وقريب من المريدين حتى لا تكاد تميّزه بينهم.
ومسيرتهما السياسية بعد الثورة، كما أظهرت الأحداث، تؤكد هذا الفرق بينهما.
حدث معي مؤخراً موقفٌ مشابه، حيث تحمست كثيراً لمشاهدة لقاء جارد دايموند مع مقدم البودكاست الشهير جو روغان. لم أشاهد أي حوار من قبل مع مؤلف كتاب (أسلحة، جراثيم، وفولاذ: مصائر المجتمعات البشرية)، ولكن لدي قناعة بأن شخصاً كتب ذلك الكتاب البديع، لابد أن يكون باحثاً من الطراز الرفيع، وذا حديث ممتع حد التخمة.
ولكن خيبة الأمل تملكتني عندما وجدت السيد دايموند يتحدث عن الإسلام ورسولنا الكريم بتلك الضحالة المفاجئة؛ حيث ذكر أن القرآن كُتِب بعد مئتي عام من وفاة الرسول عليه أفضل الصلاة والتسليم.
والحقيقة أن أي باحث مبتدئ يستطيع ببساطة معرفة متى وكيف تم جمع القرآن وكتابته؛ حيث بدأ ذلك في حياة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، واكتملت كتابته في عهد الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه.
ثم تحدث عن انتشار الإسلام، وذكر بأن للظروف المناخية في جزيرة العرب آنذاك -أو “السعودية” كما سماها- ربما دوراً أساسياً في ذلك.
وهذا رأي ساذج آخر، فهو يهوّن من دور العقيدة والرسالة، ويعتقد أن ما جعل جيوش المسلمين قوية بدرجة كافية للانطلاق في مرحلة التوسع، مثلما حصل مع جنكيز خان وجنوده، هو احتمالية أن جزيرة العرب كانت تعيش ظروفاً مناخية ممتازة، وأمطاراً ومراعياً واكتفاءً يسمح بتكوين جيوش قوية.
لم أستطع استكمال مشاهدة الحوار، وشعرت بما شعر به ستالين. بالفعل، من الحكمة ألا تقابل أبطالك..